محمد جواد مغنية

253

في ظلال نهج البلاغة

الخوارج هو نفي الإمرة على الناس من رأس ، وأنه لا حاجة بهم على الإطلاق إلى أمير ما دام الحكم للَّه . وتسأل : كيف نسب الإمام إلى الخوارج القول بنفي الإمرة مع أنهم لم يصرحوا بذلك ، والذي صرحوا به هو نفي التحكيم لا الإمرة . الجواب : ان نفي الخوارج للتحكيم في قضية معينة لا نص عليها بالخصوص كالتحكيم الذي حصل ، ان هذا النفي بذاته دليل واضح على أنهم يفهمون ويفسرون « لا حكم إلا للَّه » بأنه لا حكم كلي ولا جزئي لمجتهد أو أمير أو أي إنسان كائنا من كان إلا في الأشياء المنصوص عليها كتابا أو سنة ، أما غير المنصوص عليها فيترك أمرها إلى اللَّه ، والبديهة تقضي ببطلان ذلك ، لأن النصوص محدودة ومتناهية ، والحوادث الجزئية المتوقعة لا حد لها ولا نهاية ، وإذا لم يتح لها حاكم يحكم بها فمن يعطيها منازلها وأحكامها ، ويفصل بين الناس في خصوماتهم ، ويؤدب المعتدي ويردعه مع العلم بأن اللَّه سبحانه لا يتدخل في شؤون الناس ، ويتصل بهم مباشرة وبلا واسطة . واذن لا بد من سلطة عادلة أو جائرة تقدر الحكم الجزئي وتنفذه بالقوة وإلا عمت الفوضى ، وما قام للناس سوق ، ولا انتظم لهم أمر ، ومن أقوال الإمام ( ع ) : « ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه وينظمه ، فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ، ثم لم يجمع بحذافيره أبدا » . ( يعمل في إمرته المؤمن ) . الضمير في إمرته للفاجر ، وقال بعض الشارحين : « يريد الإمام ان إمرة الفاجر لا تمنع المؤمن من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة » ولكن المراد أعم يشمل جميع الواجبات ، وفي طليعتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فقد جاء في الحديث الشريف وفي نهج البلاغة أيضا : ان أفضل الأعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وانهما لا يقربان من أجل ، ولا ينقصان من رزق ، وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر ( ويستمتع فيها الكافر ) بما أصاب منها ، ولكن إلى حين ، ثم يشتد ويطول مقته لنفسه بما رزق من الحرام ( ويبلغ اللَّه فيها الأجل ) . كل مدة في هذه الحياة إلى انتهاء ، وكل نعمة إلى زوال عاجلا أم آجلا . ( ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ) . يريد الإمام ان هذه المنافع هي من آثار النظام والتنظيم أيا كان